محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ساعات النهار في ساعات الليل . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ نقصان الليل في زيادة النهار وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ نقصان النهار في زيادة الليل . وقوله : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يقول تعالى ذكره : وسخر الشمس والقمر لمصالح خلقه ومنافعهم ، كُلٌّ يَجْرِي يقول : كل ذلك يجري بأمره إلى وقت معلوم ، وأجل محدود إذا بلغه ، كورت الشمس والقمر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يقول : لذلك كله وقت ، وحد معلوم ، لا يجاوزه ولا يعدوه . وقوله : وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقول : وإن الله بأعمالكم أيها الناس من خير أو شر ذو خبرة وعلم ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيكم على جميع ذلك ، وخرج هذا الكلام خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعني به المشركون ، وذلك أنه تعالى ذكر ، نبه بقوله : أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ على موضع حجته من جهل عظمته ، وأشرك في عبادته معه غيره ، يدل على ذلك قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ . . . الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يقول تعالى ذكر : هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار ، والنهار في الليل ، وغير ذلك من عظيم قدرته ، إنما فعله بأنه الله حقا ، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به ، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه ، ولا تصلح الألوهة إلا لمن فعل ذلك بقدرته . وقوله . وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ يقول تعالى ذكره : وبأن الذي يعبد هؤلاء المشركون من دون الله الباطل الذي يضمحل ، فيبيد ويفنى وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يقول تعالى ذكره : وبأن الله هو العلي ، يقول : ذو العلو على كل شيء ، وكل ما دونه فله متذلل منقاد ، الكبير الذي كل شيء دونه ، فله متصاغر . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ . . . لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تر يا محمد أن السفن تجري في البحر نعمة من الله على خلقه لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يقول : ليريكم من عبره وحججه عليكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يقول : إن في جري الفلك في البحر دلالة على أن الله الذي أجراها هو الحق ، وأن ما يدعون من دونه الباطل لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يقول : لكل من صبر نفسه عن محارم الله ، وشكره على نعمه فلم يكفره . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان مطرف يقول : إن من أحب عباد الله إليه : الصبار الشكور . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان ، واليقين : الإيمان كله ، ألم تر إلى قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " إن في ذلك لآيات للموقنين " وفي الأرض آيات للموقنين " إن في ذلك لآيات للمؤمنين " إن في ذلك لآية للمؤمنين حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن الشعبي إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ قال : الصبر : نصف الإيمان ، واليقين : الإيمان كله . إن قال قائل : وكيف خص هذه الدلالة بأنها دلالة للصبار الشكور دون سائر الخلق ؟ قيل : لأن الصبر والشكر من أفعال ذوي الحجى والعقول ، فأخبر أن في ذلك لآيات لكل ذي عقل ، لأن الآيات جعلها الله عبرا لذوي العقول والتمييز . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . . . وَما يَجْحَدُ